عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

180

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ومعنى هذا أن عرب العراق خضعوا قبل الاسلام لتأثيرات فارسية وأخرى رومانية اغريقية . فلما جاء الاسلام وخرجت قبائل كثيرة من نجد إلى العراق خضعوا لنفس التأثيرات ، بل كانت هذه التأثيرات أشد وأعنف فقد انتقل الفرس بحضارتهم إلى الاسلام كما انتقل كثير من نصارى العراق إلى الاسلام أيضا . وحلت البصرة والكوفة محل الحيرة . واحتفظنا بكل التراث الثقافي الفارسي والروماني الإغريقي الذي كان منبثا هناك . ومن المؤكد أن حركة اجتماعية كبيرة تماوجت في أوساط الكوفة والبصرة في أيام الحكم الأموي وقد اشعل جذوتها العرب أنفسهم حين أخذوا يقبلون على الحياة الجديدة بكل ما فيها من ترف وبذخ وحضارة . هذا ويجب أن لا ننسى ما كان لإقليم فارس في العصر الأموي من تأثيرات رومانية اغريقيية عن طريق البيزنطيين الذين كانوا ينزلون هناك إما مأسورين أو فارّين من الدولة السياسة ، فكان إقليم فارس مضموما في العصر الأموي إلى إقليم العراق ويتبعه في السياسة ، فكان يديره والي العراق وهو الذي يولي عليه من يشاء من موظيفيه ، وكذلك الشأن في إقليم خراسان وما فتح من الهند . فالعراق كان يضم تحت جناحيه شرقي الدولة كلها . وهكذا نستنتج ونرى أن العراق وما وراءه من فارس قد أهدى إلى العرب كل ما عرف الفرس من حضارة ونعيم وترف فأخذوا يكونون من ذلك ومن تراثهم العربي الخالص حضارتهم الاسلامية . وكان طبيعيا أن تغلب على الأمويين بدمشق الحضارة البيزنطية ، وما كان بالشام من عناصر سامية حضارية . حتى إذا نقل العباسيون حاضرة الخلافة إلى العراق غلبت عليهم الحضارة الفارسية ، التي تجلت في بناء المدن والقصور وفي البذخ المسرف الذي كان يتمتع به الخلفاء وحواشيهم ، وفي المجون والتهتك الذي انغمس فيه الناس جميعا . وأمر طبيعي بعد التقاء الحضارتين : الحضارة العربية والحضارة الفارسية في العصر الأموي أن ينصرف الناس ولا سيما الخلفاء والأمراء والأثرياء إلى التحضر بل إلى الترف البالغ . فابتنوا القصور وبالغوا في تجميلها وزخرفتها . وكان يقوم على خدمتهم في هذه القصور الرقيق الأجنبي الذي اجتلبوه من أصقاع مختلفة كما رأينا . وكان اعدادا ضخمة حتى ليروى عن الزبير بن العوام « 1 » أنه خلف وحده ألف عبد وأمه . ونقرأ

--> ( 1 ) الزبير بن العوام : صحابي عاش في المدينة اشترك في فتوحات فارس ومصر وشمالي أفريقيا . وحارب إلى جانب عائشة في معركة الجمل ، وعارض خلافة يزيد بن معاوية . ثار على ولاة الأمويين في الحجاز وأعلن نفسه خليفة .